الشيخ محمد إسحاق الفياض
86
المباحث الأصولية
والخلاصة أنه لا شبهة في أن معنى الآية والمتبادر منها عرفاً هو أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا تكليفاً لا أن معناها لا يكلف نفساً إلا حكماً ، فإنه خلاف الظاهر وبحاجة إلى عناية زائدة . الرابع : ان الظاهر من الآية الكريمة هو ان الموصول فيها مفعول مطلق أي لا يكلف الله نفساً إلا كلفة آتاها ، بتقريب ان مادة التكليف لا تتعدى إليها بدون الباء ، فلا يقال كلفه بمعنى كلف به ، وحيث انه لم يرد حرف الجر في الآية ، فالمراد من الموصول هو المفعول المطلق ، والكلفة تشمل المال والفعل والتكليف جميعاً ، وعلى هذا فإطلاق الموصول وشموله للتكليف أيضاً لا يستلزم محذور الجمع بين نسبتين متباينتين في الآية ، لأن الآية على هذا لا تشتمل إلا على نسبة واحدة وهي نسبة الفعل إلى المفعول المطلق . وهذا الوجه قريب جداً ولا بأس بالالتزام به ، غير أن هذا الوجه يستلزم استعمال كلمة الإيتاء في معنيين هما العلم والقدرة ، وقد تقدم أنه لا محذور فيه . إلى هنا قد تبين أنه لا مانع من الاستدلال بالآية الكريمة على أصالة البراءة الشرعية ثبوتاً ، واما إثباتاً فهو يتوقف على إثبات الإطلاق للموصول بالنسبة إلى التكليف ، وهو يتوقف على إجراء مقدمات الحكمة فيه ، ولكن إجرائها لا يخلو عن إشكال ، وذلك لان مورد الآية المال وهي مسوقة لبيانه بقرينة وحدة السياق ، وحيث إن وحدة السياق تصلح أن تكون قرينة على تعيين الموصول وتطبيقه على المال ، فهي تمنع عن جريان مقدمات الحكمة لإثبات إطلاقه .